روسيا من أرثوذكسية الى دولة إسلامية وصرخة "عمامة المسلمين ولا تيجان الكرادلة"؟

عالم ON | | Tuesday, September 27, 2022 4:32:00 PM
أخبار اليوم

أنطون الفتى

قد يخفّ الاهتمام العالمي تدريجياً، بمستقبل "الفرار الروسي" من روسيا، الى جورجيا، أرمينيا، تركيا، ودول أخرى غيرها...، كردّة فعل أوّليّة على إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التعبئة العسكرية الجزئية، وذلك لصالح الانصراف الى الاهتمام بإعلان روسيا قريباً عن أن حدودها الجغرافيّة توسّعت لتشمل مناطق استفتاءات الضمّ غير الشرعية، لأراضٍ أوكرانية محتلّة.

جواسيس

لغزٌ كبير يلفّ السّماح الروسي بمشاهد هذا الكمّ من "عمليات الهرب" من روسيا، رغم حاجة الكرملين الى تلميع صورة حرب بوتين على أوكرانيا، والى إظهار التفاف الشعب الروسي حولها.

قد يكون بعض "الفارّين" من الجواسيس العاملين لصالح الاستخبارات الروسيّة، الذين قد يستعملون أراضي "دول الهروب" الى قاعدة انطلاق نحو أماكن أخرى، بهدف "تخليص" بعض "معاملات" موسكو المُعاقَبَة، في الخارج. وقد يشكّل بعض الفارّين بفرارهم، مصلحة لبوتين، الذي يبحث عن "دخلاء" يحوّلهم الى روس بدلاً منهم، لمجرّد إعلانهم (الدّخلاء) الولاء لحربه في أوكرانيا.

 ضامن؟

ولكن ما لا يمكن التغاضي عنه، هو أن قسماً مهمّاً من الهاربين الروس ليسوا من الجواسيس، وهم من أولئك الذين يبحثون عن "روسيا ضائعة" منهم، وما عادت لهم. وهؤلاء سيتزايدون مستقبلاً، بتعبئة ومن دونها، وذلك بسبب المفاعيل الاقتصادية والمعيشية لحرب بوتين في أوكرانيا، على حياتهم. وهذا النّزوح أو اللّجوء الروسي الى الخارج، ينزع من روسيا صفة "الضّامن"، أو الطرف الدولي الذي يتمتّع بمصداقيّة، في أي بحث عالمي بمستقبل ملفات اللّجوء، والحلول السياسية في أمكنة عدّة حول العالم، وأوّلها ملف الحرب السورية، حيث الانخراط الروسي الكبير.

 هويّة

ليست قصّة نرويها، أن يُصبح الروس لاجئين أو نازحين من أرضهم، ضمن كرة ثلج ستكون متراكمة مع مرور الزّمن، تعني أن "روسيا أخرى" ستظهر في الخارج، بعد عقد من الزّمن ربما.

فالحرب الروسية على أوكرانيا تبدو من دون أُفُق لـ "حياة" فعليّة للروس، حتى ولو مُسِحَت كل الأراضي الأوكرانية عن الخريطة. أما نتائجها (الحرب) الاقتصادية والمالية (لا العسكرية فقط) بعيدة المدى، فستهدّد المستقبل الروسي في روسيا، وتجعله لغير الروس.


فالتاريخ علّمنا أن المتغيّرات السياسية والعسكرية الروسية خلال القرن الأخير، ترافقت مع تغيير كامل في الهوية الروسية، وهو ما شهدناه بالفعل، على مستوى تبدُّل تلك الهوية من قيصرية أرثوذكسية، الى شيوعية مُلحِدَة بعد "الهزيمة" الروسيّة في الحرب العالمية الأولى، مروراً بشكل من أشكال اللّيبرالية المحدودة جدّاً بعد سقوط الإتحاد السوفياتي، وخلال ولاية حكم الرئيس الروسي الراحل بوريس يلتسين (هذه النّقطة تحتاج الى نقاش كثير، لا مجال له هنا)، وصولاً الى تخفيف وتجفيف النَّفَس "الانفتاحي" على الغرب مع تصاعُد نفوذ بوتين في الحُكم، وتنصيب البطريرك كيريل على رأس الكنيسة الروسية.

 "أوراسيّة"

هناك دولة إسلامية آتية الى روسيا، عاجلاً أم آجلاً، بـ "هندَسَة" من دولة روسيّة "عميقة"، تتوغّل في فقدان كلّ صواب إيديولوجي، في طريق العداء مع الغرب. وهذا يضع العالم أمام أرثوذكسيّة روسيّة "أوراسيّة"، بدلاً من مسيحيّة روسيّة أرثوذكسيّة، خصوصاً أن الصّداقة الأوروبيّة - الروسيّة تتلاشى أكثر فأكثر، مُنذِرَةً بشكل "أوراسي" جديد، للمُشتهى "الأوراسي" الروسي.

لا مشكلة في تعميق العلاقات والصداقات الروسية - الإسلامية. ولكن المشكلة هي في أن تلك الصّداقات تأخذ وستأخذ من روسيا، على الصّعيد الإيديولوجي، بشكل أكبر ممّا كانت عليه الأحوال خلال العهد السوفياتي، وبطريقة أكبر بكثير ممّا يُمكن للصداقة الروسية - الصينية، والروسية - الهندية، والروسيّة - الآسيوية (عموماً)... أن تأخذه من الروس.

 "جائعة"

روسيا تعمّق علاقاتها اليوم مع عالم إسلامي، مختلف تماماً عن ذاك الذي كان الإتحاد السوفياتي "صديقاً" له، من زاوية التلاقي على محاربة الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط، من خلال محاربة إسرائيل. عالم إسلامي بعضه ما عاد مُعادِياً لتل أبيب، ولكن لا يُمكنه أن يكون "صديقاً" لها، حتى ولو وقّع اتّفاقيات سلام معها. وهو عالم إسلامي "غير صديق" لواشنطن والغرب أيضاً، ولا لموسكو والشرق أيضاً، إلا على قدر ما يمكن لذلك أن يخدم "أجندات خاصّة"، لدول إسلاميّة "جائعة" الى ترجمة مشيئاتها الإيديولوجيّة العدائيّة لإيران (تحت ستار خدعة العروبة)، والى ترجمة رغبتها باستعمال إيديولوجيّاتها "المُستترة" كأداة للتوسّع الاستراتيجي، سواء في سياساتها النّفطية، كما في استثماراتها المالية، وفي اتّفاقيات المساهمة بـ "التحوّل الطاقوي" العالمي، وبأمور أخرى غيرها.

 خطر شديد

أوكرانيا باتت في خطر شديد، بسبب "مجانين الكرملين". ويُمكننا في هذا الإطار أن نذكر بعض الأفكار التي طبعت أحد المؤتمرات الإسلامية، في إحدى الدول الإسلامية المحيطة بروسيا مؤخّراً، والتي هي من مستوى أن العالم يتغيّر، وأن وضع المسلمين اليوم في روسيا يشهد تطوراً من خلال الحرية الممنوحة من قبل إدارة الرئيس الروسي، ممّا يوجب على العلماء والمُفتين دعوة المسلمين إلى الانصهار ضمن المجتمع الروسي بروحية الدفاع عن "بلدهم" (روسيا) ومصالحه أمام التهديدات الخارجية، والداخلية (أي كلّ روسي يرفض حرب بوتين في أوكرانيا).

فضلاً عن الحديث عن ضرورة تبنّي كل المسلمين الروس موقف الدولة الروسيّة الرسمي، والتواصل مع المرجعيات الإسلامية في العالم لشرح وجهة نظر الدولة الروسية في ما يحصل في أوكرانيا، والذي يشكّل فرصة للمسلمين الروس لتحقيق مكاسب، والمشاركة في صنع القرار، ممّا يجعلهم عوناً وسنداً للمسلمين في العالم، من خلال المساعدة في تبنّي الحكومة الروسية قضايا المسلمين في العالم.

 سرعة التكاثُر

هذا كلام خطير، مدعوم بمساعي أنظمة إسلاميّة، معظمها في منطقتنا، وهي ثريّة جدّاً. أنظمة عبّرت بعض الأصوات فيها في أوّل الحرب الروسية على أوكرانيا، عن أن تلك الحرب فرصة، وعن أن العالم يتغيّر، والبقاء فيه سيكون للأقوى، وللّذي يمتلك المال.

وإذا أضفنا الى ذلك، امتعاض النّسيج الروسي الأصلي من حرب بوتين في أوكرانيا، واستعداده لترك روسيا بحثاً عن حياة جديدة، مع اتّجاه بوتين الى منح الجنسيّة الروسية لكلّ غريب "أمين" لتلك الحرب، بشروط تسهيلية، نجد أن الفارّين من تعبئة بوتين اليوم، الذين قد يكونون بالعشرات أو المئات، سيُستبدلون بروس "دخلاء" من دول إسلاميّة فقيرة، أو غير فقيرة، ترغب بالتخلُّص من بعض أخطر المطلوبين والمساجين لديها عبر "إيجاد عمل" لهم بالقتال الروسي في أوكرانيا، وذلك بالعشرات والمئات أيضاً، وتدريجياً، فيما تلك الفئة الأخيرة لن تتأخّر عن أن تصبح بالآلاف والملايين، خلال سنوات قليلة في روسيا، نظراً لتعدُّد الزوجات، وسرعة التكاثُر، وكثافة الولادات، مع دخول أكبر في دوائر القرار السياسي والعسكري الروسي، مستقبلاً، وبدعم من أنظمة إسلامية.

أموال

أوكرانيا في خطر كبير، والهويّة الروسيّة أيضاً، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار، أن أموال تلك الدول الإسلاميّة هي التي ستموّل تعويم الاحتلال الروسي للأراضي الأوكرانية بعد نتائج الاستفتاءات الصُّوَرِيَّة، سواء في عمليات إعادة الإعمار، أو إنشاء البنى التحتيّة... تماماً كما أن تلك الأموال "الإسلاميّة" هي نفسها التي تَعِد الغرب بالمساهمة في تخفيف الأزمة الإنسانية في أراضي "أوكرانيا الحرّة"، وذلك ضمن لعبة مزدوجة، وخطيرة جدّاً، على مستقبل الهويّة الإيديولوجيّة لأوروبا الشرقيّة عموماً.

هناك دولة إسلامية آتية الى روسيا، فهل يعي البطريرك الروسي "فظاعات" من وما يدعمه في الكرملين؟ أو هل يصرخ بعد مدّة قائلاً:"عمامة المسلمين ولا تيجان الكرادلة"، على وقع تصفيق حاكم الكرملين له؟؟؟...

| تابعوا آخر أخبار "Lebanon On" عبر Google News اضغط هنا