لبنان والسعودية عندما تُقاتل

لبنان ON | | Thursday, April 8, 2021 7:44:00 AM

كتب نجم الهاشم في نداء الوطن

ليس من السهل أن تتجاهل المملكة العربية السعودية ما يحصل في لبنان، وهي التي اعتادت منذ الخمسينات في القرن الماضي أن تكون في صلب الحياة السياسية اللبنانية. وهي إن غابت اليوم فإنّ هذا الغياب يبقى رغماً عنها لأنّها تحمل هذا التاريخ العريق من العلاقات، ولأنّها في هذا الموقف تبقى حاضرة للعودة بانتظار أن تتبدّل الأحوال، بحيث لا يعود لبنان يشكّل حاضنة وقاعدة للعمل ضدّها بما يمثّله "حزب الله" من اختصار لهذه الحالة يغطّيه رئيس الجمهورية ميشال عون.
لم تخرج المملكة العربية السعودية من لبنان لكي تعود. لطالما شكّل لبنان الملاذ الآمن للسعوديين، أمراء وغير أمراء، وواحة عمل وطريقة حياة واستراحة. ولطالما شكّلت المملكة ملاذاً مماثلاً للكثير من اللبنانيين الذين ذهبوا إليها محمّلين بخبراتهم وباندفاعهم إلى العمل في كل المجالات التي أعطت للملكة أسباباً كثيرة للإزدهار والبناء. لطالما كان هذا التبادل الإنساني والخدماتي والمالي والتعاون السياسي في مصلحة البلدين، حتى أتت الساعة التي حوّل فيها "حزب الله" هذه العلاقة إلى صراع وحروب وصواريخ وتهديدات. في لبنان فقط كان بإمكان الأمير طلال مثلاً أن يتزوج منى الصلح ابنة رياض الصلح في 22 تشرين الأول من العام 1954 وأن يقيم احتفالين في النورماندي والبريستول. وفي لبنان فقط كان بإمكان الأمير فهد أن يحتفل بزواجه ايضاً وأن يتمّ توزيع صوره مع عروسه.


وفي لبنان فقط كان بإمكان الملك سعود أن يزوره في العام 1957 ويتنقل بين بعلبك وسباق الخيل وعدد من المناطق، ويصلّي في الجامع العمري في وسط بيروت وأن تستمرّ الزيارة عدة أيام. وفي لبنان فقط ربّما كان بإمكان بعض مؤيّدي الرئيس جمال عبد الناصر في تلك المرحلة أن يتظاهروا أمام الجامع ضد زيارة الملك. صحيح أن هوى بيروت وأهلها من السنّة كان مع عبد الناصر في ذلك الوقت، ولكن هذا الأمر لم يجعل السعودية تقطع علاقاتها مع لبنان. عكس هذا الأمر كان مقدّراً أن يحصل. فقد انتهى عهد الناصرية وبقي حضور المملكة العربية السعودية مستمراً. اليوم مع التجربة القاسية التي يمثّلها "حزب الله" ضد المملكة لن تكون النتيجة مختلفة. فالمملكة تتصرّف على أساس أنّها شِدّة وتزول وأنّ ما بُني بين لبنان والمملكة لا بدّ سيعود كما كان. في 19 أيلول 1962 وصل إلى بيروت وليّ العهد السعودي الأمير فيصل في طريقه إلى الولايات المتحدة الأميركية. صباح الخميس 27 أيلول استفاق العالم على خبر انقلاب عسكري في اليمن أعلن بعده الإنقلابيون قيام الجمهورية. بدا واضحاً أن النظام المصري كان وراء الإنقلاب الذي لم يكن كاملاً بسبب تمكّن الأمير البدر من النجاة بعدما اعتقد الإنقلابيون أنّه قُتل في مقرّه. وسرعان ما بدأ الدعم المصري يصل إلى السلطة الجديدة عبر ميناء الحُدَيدَة الذي يدور حوله اليوم صراع كبير بسبب الحرب الدائرة في اليمن، والتي بسببها يتمّ استهداف المملكة بالصواريخ الموجّهة والطائرات المسيّرة بمباركة من "حزب الله" وأمينه العام السيد حسن نصرالله.

كان الأمير فيصل لا يزال في واشنطن عندما صدرت الأوامر الملكية السعودية بتكليفه تشكيل حكومة جديدة لمواجهة ما يحصل في اليمن والتهديد الذي تتعرّض له المملكة. عبر مطار بيروت كانت عودة الأمير إلى السعودية. وصل إلى بيروت في 21 تشرين الأول 1962 وأقام في فندق السان جورج والتقى الرئيس فؤاد شهاب في 25 تشرين الأول، قبل أن يعود على متن طائرة ملكية إلى المملكة ليقود المواجهة الصعبة. في بداية آذار وخلال جولة له داخل المملكة أعلن: "نحن لا نخشى الحرب وإذا لم يكن من الموت بُدّ فلنمُت بشرف". وفي بداية كانون الأول من العام نفسه أضاف: "لربّما يظنّ البعض أنّنا قد نتردّد في خوض القتال خوفاً من تعريض العرش، أو القصور التي نسكن، أو الراحة التي نعيش فيها للخطر. إنّني أسارع إلى تصحيح هذا الإعتقاد فأقول إنّنا نجد أنفسنا في مكاننا الطبيعي عندما نخرج من مكاتبنا وقصورنا لنحمل السلاح خدمة لشعبنا وبلادنا..."

الأكثر قراءة